صديق الحسيني القنوجي البخاري

375

فتح البيان في مقاصد القرآن

في غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض ، وقيل الأفق المبين أقطار السماء ونواحيها . وإنما قال سبحانه ذلك مع أنه قد رآه غير مرة لأنه رآه هذه المرة في صورته له ستمائة جناح . قال سفيان : إنه رآه في أفق السماء الشرقي أي لأنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس ، وقال ابن بحر في أفق السماء الغربي ، وقال مجاهد : رآه نحو أجياد وهو مشرق مكة ، والمبين صفة للأفق ، قاله الربيع : وقيل صفة لمن رآه قاله مجاهد . وقيل معنى الآية ولقد رأى محمد صلى اللّه عليه وسلم ربه عز وجل ، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم . قال ابن عباس في الآية إنما عنى جبريل أن محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم رآه في صورته عند سدرة المنتهى ، والأفق المبين السماء السابعة . وَما هُوَ أي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم عَلَى الْغَيْبِ يعني خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا علمه عن أهل مكة بِضَنِينٍ أي بمتهم أي هو ثقة فيم يؤدي عن اللّه سبحانه ، وقيل بضنين بالضاد أي ببخيل ، قاله ابن عباس أي لا يبخل بالوحي ولا يقصر في التبليغ . وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء أي بمتهم والظنة التهمة واختارها أبو عبيد ، قال لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه واتهموه . وقرأ الباقون بالضاد من ضننت بالشيء أضن ضنا إذا بخلت ، قال مجاهد أي لا يضن عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام اللّه وأحكامه ، وقيل المراد جبريل أنه ليس على الغيب بضنين والأول أولى . وقرأ ابن مسعود بالظاء بمعنى متهم . وعن عائشة : « أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يقرأها بالظاء » أخرجه الدارقطني في الأفراد والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب ، فإن البخل وما في معناه لا يتعدى بعلى وإنما يتعدى بالباء . وَما هُوَ أي القرآن بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ طريد من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب ، قال الكلبي يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش كقوله : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ [ الشعراء : 210 ] قال عطاء يريد بالشيطان الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه . ثم بكتهم اللّه سبحانه ووبخهم فقال : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ الفاء لترتيب ما بعدها